الرئيسية أعمدة الرأي ماذا نَرَى ونَسمع؟ أَحَصَلَ ذلك فعلا؟!

ماذا نَرَى ونَسمع؟ أَحَصَلَ ذلك فعلا؟!

كتبه كتب في 19 فبراير 2024 - 6:39 م

بقلم : المكي ابو الشمائل.

ما هذا الخبر المفجع الذي نقراه اليوم عن إقليم مزيات، والذي مُفادُه اعتداءُ أحَدِهم على شرطي مرور بالسلاح الأبيض، ولِمَ حَصَلَ انتحارٌ بمرنيسة في وقت سابق من السنة المنصرمة ؟
فلو صحَّ كِلاَ الخبرين، يمكن الجزم بانه، بوصول الأمور إلى هذا الحد المتدني من الانحراف وسوء السلوك في ذلك الإقليم أو في غيره، فاستِنفارُ السلطات والإعلاميين والمثقفين شىء مطلوب لتدارك تَرَدِّي الحياة إلى الرداءة اللامحتملة بفعل الجهل والضلال، ولتذكير عامة الناس بل الجميع هناك بضرورة التزودِ بخشيةِ الله والتزامِ مكارم الأخلاق بذلك الإقليم الذي سمعنا اليوم، آسِفِينَ، عن هجوم فيه بالسلاح الأبيض على موظف أثناء مزاولة عمله، وهو الإقليم الذي نُبِّئنا أيضا بخبر انتحار شنيع مؤسف وقع فوق أرضه في وقت سابق.
فهذا الإقليم الذي نرى به مؤشرات إقليم ريادي في كافة المجالات، رغم سلبيات نَبَّهنا إليها، قد يبدا نجمُه في الأفول بعد بروز ظاهرة اجرامية مخيفة كالتي نسمع اليوم عنها هناك.
منذ سنين خلت نشرت إحدى الجرائد خبر انتحار الكاتب الياباني يوكيو ميشيما Yokio Mishima مع صورته منتحرا حسب طريقة Hara-Kiri, أى ببقر ( بسكون القاف) البطون او شقها بواسطة مذية او سيف الساموراى، وهي طقس من طقوس الانتحار باليابان لإثبات عزة النفس او للاحتجاج على ظلم بطريقة جد غريبة، مثلما نعلم. فمهما تكن الأسباب عند اهل اليابان وتعددت الفلسفات هناك كالشنطويزم، والطاوية وما إلى ذلك، فإن عدم الاهتداء بهدى الله فيما يقبل عليه الإنسان من تفكير او سلوك أو عمل اثناء وجوده في هذه الحياة مآله الخسران المبين دنيا وأخرى. فهل يريد المسلم المنتحر من جراء معاناة دنيوية فانية أن يقلد الأمم الوثنية ليطوق يوم القيامة بما عملت يداه من جرائم عقوبتها النار؟
إن غياب الوازع الديني وضحالة الثقافة الإسلامية لدَى الشباب، وعَمَى الانسياق وراء الشهوات، وتغليب توافه الأمور على الجاد منها، وسوء فهْم الحياة الدنيا كمرحلة عبور إلى العالم ألأخروي، كُلُّ ذلك، بلا ريب، يُشَكّلُ سببا من اسباب تَفشِّي ما نراه من مظاهر الضياع والتعاسة التي تؤدي لدَى البعض، هنا وهناك، إلى الجنوح الذي تُرتكَبُ أثناء غيبوبته آثام لا تُحمدُ عقباها.
ولَمَّا كانت التوعية الدينية ودروس التربية الإسلامية والتربيه الوطنية في المدارس وداخل المساجد ودور الشباب والأندية النسوية هي في المتناوَل بإقليم مزيات وفي غيره من الأقاليم لوفرة العلماء والمثقفين والأساتذة بين أظْهُرِنا، فإن الأمل معقود على هؤلاء ليُنِيروا الدروب الحالكة التي يمشي فيها البعض تنفيذا لإجرام أو طلبًا لفاحشة. فعسَى بهذا العمل التنويري التوعوي النافع أن يَسلَم المجتمع من الفِتَن التي قد تَعصِف بالسلم والاستقرار والاطمنان حيث ما ظَهرتْ- لا سَمحَ الله.
فإن يكن هذا العرض متعلقا بجريمتين اثنتين، جريمة الاعتداء على الغير وجريمة الاعتداء على النفس، فتلكما الجريمتان هما في الواقع وجهان لعملة واحدة بارزة في حصول نقض البنية البشرية.
أما فيما يتعلق بالاعتداء على شرطي المرور، كاعتداء على الغير، فالقضاء كفيل بردع الجاني وتولي عقوبته حتى يكون ذلك عبرة لمن يعتبر ولا يبقى هناك من تسول له نفسه إمكانية الاعتداء على موظف عمومي يقوم بواجبه الوطني خدمة للناس، وحتى يعرف الجناة ان هذا الموظف، شرطيا كان او غيره، مواطن صالح نافع، وانه كممثل لهيبة الدولة يستحق الاحترام. ثم إنه، كأخ لنا في السلام وكمواطن شريك لنا في المواطنة، له الحق في التمتع والشعور بالأمن والأمان من دون أن يتعرض له احد بسوء.
وأما عدوان الانتحار، كاعتداء شنيع يمارسه شخص ما على ذاته، فمِن الأهمية بمكان أن يعرف ذوو الميولات الجانحة ( فيما يتعلق بهذه الجريمة النكراء التي يحدث من خلالها قتل النفس التي حرم الله)، أن جسم الإنسان هو وديعة عند صاحبه ليرده إلى خالقه يوم الممات بدون عطَب، بمعنى أن الانتحار هو اعتداء متهور بالغ الضرر بمِلْك الغَير، وهو جسد المنتحر، الشئ الذي جعل عقوبة الانتحار عند الله جد قاسية وعادلة مثلما يُسْتفادُ ذلك من الحديث المُوالي.
فقد جاء في هذا الحديث ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
“مَن تَردَّى مِن جبل فقَتَل نفسَه فهو في نار جهنم يتردَّى فيه خالِدًا مُخَلَّدًا فيها أبدا، ومَن تَحَسَّى سُمّا فقَتَل نفسَه فسُمُّه في يَده يَتحَسّاه في نار جهنم خالدًا مُخَلَّدًا فيها أبدا، ومَن قتَلَ نفسَه بحديدة فحديدتُه في يَده يَجَأُ بها في بطنه في نار جهنم خالِدًا مُخلَّدًا فيها أبدا.”
وهذه هي معاني المفردات الواردة في هذا الحديث :
-تَردَّى : سقط، والمراد أنه تسبَّبَ لنفسه في السقوط إلى الأسفل بسبب الانتحار.
-تَحَسَّى : شَربَ شيئا فشيئا.
-يَجَأُ، أى يَضرب او يطعنُ، وماضي الفعل هو وَجَأَ.
إن الأمر جَلَلٌ، أى خطير وخطيرٌ، فلا يَتَهَاوُنَنًّ إذن في جريمة الا نتحار أحد من ذوي الزيغ والضلال إذا كان لا يريد أن يندم غدا على ما جنَتْ يداه وهو في الدار الآخرة حيث لا ينفع الندم وحيث تَكثُر الحسرة، وهي ليست بذات جدوى أيضا هنالك.
وأخيرا، فليعذرني السادة علماء الحديث لعدم ذكر السند هنا، إذ الحديث صحيح إن شاء الله، وقد غَفلتُ عن ذِكره لكون هذا المقال ليس بحثا أكاديميا.
وعَودًا على بَدْءْ، آخِرًا، لي رأى شخصي بخصوص العنف بإقليم مزيات يُقَوِّلُني أنْ إذا صلَح امرُ الإقليم بصلاح الناس والأخلاق هنالك، فذلك هو المبتغَى عند عامة سكانه والمنتمين إليه، بادي الرأى، وإنْ لسبب او لآخر- لا قدر الله- تَمادَى فيه الضلال والانحراف المسيئَان إلى وَدَاعة الحياة، فسأنسَى أنا، رغم أنْ لست بشىء في الناس- وعلى مضض- أنني من مواليد هذا الإقليم.

مشاركة
تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .