يخضع اشتغال الأطفال القاصرين بالمغرب لترسانة قانونية صارمة تطورت عبر محطات رئيسية تهدف إلى الحد من هذه الظاهرة وحماية الطفولة، مستمدةً قوتها من الملاءمة مع الشرعة الدولية، إذ استهل المغرب مساره الحقوقي بالتوقيع في 26 يناير 1990 ثم المصادقة الرسمية في 21 يونيو 1993 على الاتفاقية الأممية لحقوق الطفل.
وتعزز هذا الانخراط الدولي بمصادقة المملكة في 6 يناير 2000 على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 138 المحددة للسن الأدنى للاستخدام، تلتها المصادقة في 26 يناير 2001 على الاتفاقية الدولية رقم 182 المعنية بحظر أسوأ أشكال عمل الأطفال والقضاء عليها.
وعلى الصعيد الوطني، تُرجمت هذه الالتزامات بإصدار مدونة الشغل المغربية بموجب القانون رقم 65.99 التي دخلت حيز التنفيذ سنة 2004 لتمنع بشكل نهائي تشغيل الأطفال دون سن 15 سنة، وهو السن المتطابق مع نهاية مرحلة التعليم الإلزامي.
كما تعززت الترسانة بصدور القانون رقم 19.12 المتعلق بالعاملات والعمال المنزليين، والذي دخل حيز التنفيذ رسمياً ليحظر تشغيل أي قاصر دون سن 18 سنة في المنازل.
وقد أسفرت هذه المجهودات الممتدة عن تراجع قياسي وملحوظ في حدة الظاهرة يفوق 80% منذ سنة 1999، وحسب أحدث مذكرات المندوبية السامية للتخطيط المبنية على نتائج البحث الوطني حول التشغيل، فإن ظاهرة تشغيل الأطفال باتت تهم حوالي 1.3% فقط من مجموع الأطفال المغاربة في الفئة العمرية (7 – 17 سنة)، محددةً عدد الأطفال النشيطين اقتصادياً في نحو 103 آلاف طفل.
وتكشف البيانات التشريحية للمندوبية السامية عن استمرار ارتباط الظاهرة بالانقطاع عن الدراسة، حيث إن 88% من هؤلاء الأطفال غادروا المدرسة نهائياً، و1% لم يسبق لهم التمدرس قط، بينما يوفق 11% فقط بين العمل والدراسة.
وحسب التوزيع بناءً على الجنس، تبرز البيانات انتشار الظاهرة بشكل كاسح بين الذكور بنسبة 86.2%، لاسيما في الفئة العمرية بين 15 و17 سنة التي تمثل 89.8% من إجمالي الأطفال العاملين.
أما على المستوى المجالي، فتؤكد أرقام مندوبية التخطيط أن عمالة الأطفال تظل ظاهرة قروية بامتياز، إذ يعيش 76.2% من الأطفال العاملين في الأرياف (حوالي 78 ألف طفل بمعدل انتشار يقارب 2.4%)، وينشط 69.1% منهم في قطاع “الفلاحة، الغابة والصيد” بصفتهم “مساعدين عائليين” غير أجراء في الغالب.
بالمقابل، ينحصر العدد بالوسط الحضري في حوالي 23 ألف طفل (بمعدل لا يتعدى 0.5%) يتوزعون أساساً بين قطاع الخدمات بنسبة 51.2% والصناعة التقليدية والمعامل بنسبة 28.4%.
والأكثر قلقاً في المؤشرات الرسمية هو أن 59 ألف طفل يمارسون أعمالاً خطيرة (ما يمثل 58.4% من الأطفال الشغالين)، ويتمركز 66.6% من هؤلاء في قطاعات قاسية كالبناء والصناعة وسط القرى والأرياف.
وفي إطار مأسسة مكافحة الظاهرة، يُعدّ المرصد الوطني لحقوق الطفل، الذي تم إحداثه في ماي 1995 وترأسته فعلياً صاحبة السمو الملكي الأميرة للا مريم، الركيزة الأساسية لتتبع وحماية القاصرين بالمملكة.
وتتويجاً لهذا المسار التراكمي، وبعد أن ساهم المرصد بفعالية في التعبئة الوطنية خلال المؤتمر العالمي السادس للقضاء على تشغيل الأطفال المنعقد بمراكش في فبراير 2026، ترأست سموها بالرباط في 16 أكتوبر 2026 حفل إطلاق “الآلية الوطنية المندمجة للقضاء على تشغيل الأطفال”.
وتعمل هذه المنظومة الجديدة على مرافقة وتأمين سحب الأطفال من سوق العمل وإعادة إدماجهم في المدرسة، موازاة مع إتاحة الرقم الأخضر المجاني 2511 للتبليغ السري عن الانتهاكات.
ولضمان استدامة هذه الحلول ومحاربة الهدر المدرسي، تم دمج برنامج “تيسير” القديم بالكامل ضمن البرنامج الملكي للدعم الاجتماعي المباشر الذي انطلق في 28 دجنبر 2023، حيث أصبحت الأسر الهشة تتلقى إعانات مالية شهرية تكميلية مباشرة بناءً على الاستهداف الدقيق لـ السجل الاجتماعي الموحد ، مما يساهم بشكل فعال في تجفيف منابع تشغيل القاصرين بالمملكة وتأمين حقهم الأساسي في التعليم والنمو السليم.














































تعليقات الزوار ( 0 )