الرئيسية تكنولوجيا المناخ يخرج عن السيطرة: صحة البشر واقتصادات العالم في خطر

المناخ يخرج عن السيطرة: صحة البشر واقتصادات العالم في خطر

كتبه كتب في 30 أكتوبر 2026 - 10:23 ص

تتسارع الأضرار الصحية والاقتصادية الناجمة عن تغير المناخ بشكل غير مسبوق، مدفوعة باشتداد موجات الحر الشديدة واتساع رقعة الجفاف حول العالم، في وقت لا تزال فيه الاستجابة الدولية أبطأ بكثير من وتيرة تفاقم هذه المخاطر.

هذا الواقع المأساوي دفع خبراء دوليين، في تقرير “ذا لانسيت” (The Lancet) لعام 2026 بشأن الصحة وتغير المناخ، إلى إطلاق صرخة تحذير تطالب بالاعتراف رسمياً بتغير المناخ بوصفه “حالة طوارئ صحية عالمية”، مع ضرورة إعادة توجيه السياسات الدولية لتوفر الحماية لسلامة الإنسان وتضعها في صميم القرارات المناخية كافة.

ولم تعد التحذيرات مجرد توقعات مستقبليّة، بل تجسدت في أرقام مرعبة كشف عنها التقرير تعكس حجم الأضرار البشرية، حيث بلغ إجمالي الوفيات المرتبطة بالحرارة الشديدة عالمياً نحو 710 آلاف وفاة في عام 2023 وحده، عُزي 71.5% منها مباشرة إلى التغير المناخي.

وتوضح البيانات أن هذا الارتفاع ليس طارئاً، إذ تسبب المناخ المتطرف في وفاة نحو 369,900 شخص سنوياً خلال الفترة الممتدة بين عامي 2016 و2023، مما يظهر قفزة مقلقة في نسبة الوفيات المنسوبة للمناخ والتي ارتفعت من 55% في العقد الماضي لتصل إلى 68% في السنوات الأخيرة.

ولا تتوقف هذه الفاتورة عند حدود الأرواح، بل تمتد لتضرب مفاصل الاقتصاد العالمي الذي تكبد خسائر في الإنتاجية قُدرت بنحو 1.07 تريليون دولار في عام 2025 نتيجة تراجع قدرة الأفراد على العطاء البدني، لا سيما في قطاعات حيوية كالزراعة والبناء التي تعتمد كلياً على العمل في الأماكن المفتوحة تحت أشعة الشمس الحارقة.

وتتضاعف هذه المعاناة مع تداخل الظواهر الجوية المتطرفة وتراكم آثارها، ما يضع النظم الصحية تحت ضغوط تفوق طاقتها الاستيعابية، خصوصاً في المجتمعات الهشة، فالجفاف المستمر لا يعني فقط جفاف الأراضي، بل يمتد ليتسبب في نقص الغذاء، وسوء التغذية، وتدهور جودة المياه والهواء، فضلاً عن تصاعد الأزمات النفسية المرتبطة بفقدان سبل العيش.

وفي المقابل، تؤدي الفيضانات المفاجئة إلى غمر المجتمعات وتلويث البيئة، مما يرفع من مخاطر تفشي الأمراض المعدية والأوبئة الصدرية والمعوية، لتجد المستشفيات نفسها أمام أعباء إضافية تفوق قدرتها التشغيلية.

وفي هذا السياق، تؤكد مارينا رومانييلو، المديرة التنفيذية للتقرير، أن المخاطر المحدقة بالبشرية تنمو بمرونة وسرعة تتجاوز بكثير الاستعدادات الصحية وتطور مشروعات الطاقة النظيفة التي حققها العالم حتى الآن.
وما يزيد المشهد تعقيداً هو استمرار التوسع في إنتاج الوقود الأحفوري، إذ يشير التقرير بوضوح إلى أن خطط أكبر 100 شركة للنفط والغاز في العالم تستهدف مستويات إنتاج بحلول عام 2040 تتجاوز بنسبة 150% ما يتوافق مع المسار الآمن للحد من الاحترار العالمي وإبقائه دون 1.5 درجة مئوية، مما يجهض الآمال في خفض الانبعاثات بالسرعة المطلوبة رغم التدفقات المالية المستثمرة في الطاقة البديلة.

ولمواجهة هذا الانسداد، يرى الخبراء ومعدو التقرير ضرورة تبني استراتيجية إنقاذ عاجلة تبدأ بإعلان حالة طوارئ مناخية صحية تقودها منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة، وتلزم الحكومات بوضع الصحة العامة في قلب الخطط السياسية والاقتصادية، مع تعزيز التمويل الدولي القائم على المنح للمشروعات البيئية والصحية المشتركة، وتسريع خفض الغازات الدفيئة بشكل منصف وعادل.

ورغم أن العمل المناخي المرتكز على الصحة بدأ يؤتي ثماراً ملموسة في تحسين جودة الهواء وتطوير أنظمة الإنذار المبكر بناءً على 54 مؤشراً صحياً ترصدها مبادرة “ذا لانسيت كاونت داون” منذ عقد، إلا أن الرئيس المشارك للمبادرة، أنتوني كوستيلو، يشدد على أن حجم هذا التحرك وبطء وتيرة خفض الانبعاثات لا يزالان عاجزين عن ملاحقة قطار التدهور البيئي المتسارع.

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .