يحتفل العالم، ومعه أسرة التربية والتكوين في المغرب، في الخامس من أكتوبر باليوم العالمي للمدرس، وهي محطة سنوية غالية لتجديد الاعتراف بجميل من يحملون أمانة العقول، وتجسيدًا حيًّا للبيت الشعري الخالد لأمير الشعراء أحمد شوقي الذي يقول فيه: “قُمْ لِلْمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلَا، كَادَ الْمُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولَا”.
فلا يقتصر دور الأستاذ على ملقن للمقررات الدراسية، بل هو الصانع الحقيقي لشخصية التلميذ والموجه الأول لخطواته نحو المستقبل، حيث يتحول داخل حجرة الدرس إلى أب مربٍّ يغرس في نفوس الناشئة قيم المواطنة، والاعتزاز بالهوية المغربية، والتسامح، ويعد العين الفاحصة التي تكتشف مكامن الإبداع والموهبة لدى المتعلمين وتنمي لديهم مهارات التفكير النقدي والاعتماد على النفس، ليصبح الأستاذ بذلك الجسر الآمن الذي يعبر به التلميذ من عوالم الطفولة إلى أفق التميز المعرفي والمهني.
ورغم نبل هذه الرسالة، فإن ممارسة مهنة التعليم اليوم تحيط بها جملة من الإكراهات السوسيو اقتصادية والمهنية التي تتجلى أبرزها حاليًا في الانخراط الواسع للأساتذة في مشروع “مدارس الريادة” الذي أطلقته الوزارة الوصية لإصلاح المدرسة العمومية، ورغم نبل أهداف هذا المشروع الطموح، إلا أنه يضع على كاهل المدرس ضغوطًا مضاعفة بدءًا من التنزيل الدقيق للمقاربات البيداغوجية الجديدة مثل مقاربة التدريس وفق المستوى المناسب (TaRL)، مرورًا بالالتزام بجدولة زمنية مكثفة لتقويم ومعالجة التعثرات، وصولاً إلى غياب أو نقص الوسائل الديدكتيكية والتكنولوجية في بعض المناطق، ممّا يضطر الأستاذ لبذل جهود مضاعفة واستنزاف طاقته النفسية والجسدية لإنجاح هذا التحول داخل الفصول الدراسية المكتظة.
ولكن، وأمام كل هذه التحديات والإكراهات، يثبت الأستاذ المغربي في كل مرة أنه الرقم الأصعب في معادلة الإصلاح، وبفضل تضحياته ونكرانه للذات، تتحول الصعاب إلى إنجازات ملموسة نرى ثمارها يوميًا في تفوق التلاميذ في المحافل الوطنية والدولية، وفي تخرج أجيال من المهندسين، والأطباء، والعلماء، والمفكرين، فالأستاذ هو المهندس الخفي الذي يبني الإنسان الناجح الذي يشكل حجر الزاوية في خدمة وطنه، والدفاع عن مقدساته، والمساهمة الفعالة في تقدمه وازدهاره الاقتصادي والاجتماعي.
وفي الختام، وبمناسبة هذا اليوم المجيد، نتقدم بأزكى عبارات التهنئة وأسمى آيات التقدير، محملة بباقات الامتنان والعرفان، إلى كل أستاذ وأستاذة ينيرون دروب المعرفة في كل شبر من هذا الوطن، وخصوصاً أولئك القابضين على جمر الرسالة في قمم الجبال الشامخة والقرى النائية،الذين يتحدون قساوة الطبيعة وعزلة الجغرافيا وبرد الشتاء، ليزرعوا الدفء والأمل وحب العلم في قلوب أطفال المداشر والبوادي. فهنيئًا لكم في يومكم العالمي، ودمتم للوطن مشاعل نور لا تنطفئ، وحصنًا حصينًا لبناء مغرب يفتخر بأبنائه وبناته، وكل عام وأنتم بألف خير.















































تعليقات الزوار ( 0 )