تُشرق الحياة مع قدوم مولود جديد بوعود الفرح والبهجة، لكن خلف بريق التهنئات وضحكات الرضع، تعيش العديد من الأمهات الجدد في ظلام دامس لا يراه أحد ، إنه عالم “اكتئاب ما بعد الولادة” الموحش، وهو اضطراب نفسي ومزاجي حاد يتجاوز بمراحل مجرد كآبة عابرة (Baby Blues) التي تصيب 80% من الأمهات وتزول تلقائياً خلال أيام قليلة.
تشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية إلى أن هذا الاكتئاب الحاد يصيب نحو 13% من النساء عالمياً، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى حوالي 20% (أم واحدة من بين كل خمس أمهات) في الدول النامية والمتوسطة الدخل نتيجة قسوة الظروف المعيشية وغياب الرعاية النفسية التخصصية، بينما تتراوح النسبة في العالم العربي إجمالاً بين 15% و25%. كما لا يقتصر هذا الثقل على النساء فقط، إذ تظهر البيانات أن حوالي 10% من الآباء الجدد يختبرون هم أيضاً أعراض هذا الاكتئاب خلال السنة الأولى.
يبدأ هذا المرض بالتسلل إلى جسد الأم ونفسيتها نتيجة هبوط حاد ومفاجئ في هرموني الإستروجين والبروجسترون مباشرة بعد الوضع، مما يُحدث خللاً في كيمياء الدماغ ومراكزه المسؤولة عن تنظيم المزاج، ويتزامن ذلك مع حرمان مزمن من النوم واستنزاف بدني كامل.
هذه المعاناة والوهن الجسدي والنفسي واكبها الإعجاز القرآني الذي كرّم الأم واحتفى بمكابدتها حين قال الله تعالى في سورة لقمان الآية 13: «وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ»، فالوهن هنا هو الضعف المتصاعد والمشقة التي تتلوها مشقة.
وتتجلى قسوة هذا المرض عندما ينقلب الصمت إلى مأساة حقيقية، تماماً كما حدث في الفاجعة الأليمة التي شهدها حي تابريكت بمدينة سلا، حيث أقدمت أم -في ظروف ترجح التحقيقات ارتباطها باكتئاب ما بعد الولادة الحاد – على إنهاء حياتها وحياة طفليها: رضيعها الذي لم يتجاوز شهره الأول، وطفلها البالغ من العمر ثماني سنوات والذي كان يعاني من اضطراب طيف التوحد.
فليس هناك أمٌّ تختار بكامل وعيها وإرادتها إنهاء حياة فلذة كبدها، إلا لعلة نفسية قاهرة غيبت إدراكها، وعذاب باطني يقع تماماً خارج نطاق سيطرتها وقدرتها على التحمل.
وتثبت هذه الفاجعة أنها مجرد رأس جبل الجليد، فالبيانات الطبية الصادمة تكشف أن حوالي نصف النساء المصابات بأعراض حادة يظلن دون أي رعاية، حيث تطوقهن القيود الاجتماعية وتكبلهن مشاعر الخوف من الوصمة.
ورغم مرارة ما حدث، فإن السبل نحو النجاة متوفرة علمياً، وهي لا علاقة لها مطلقاً بضعف الإيمان أو كفاءة الأم وحبها لطفلها، فالمرض بيولوجي بحت. وتبدأ الوقاية منه من خلال التوعية والفحص النفسي أثناء الحمل، حيث أثبتت الدراسات الطبية أن خضوع الأمهات لجلسات العلاج المعرفي السلوكي (CBT) يقلل من نسب الإصابة بشكل ملحوظ.
كما يقع على عاتق المجتمع المحيط الانتباه للمؤشرات التحذيرية وتبديد وهم “الأم المثالية” عبر تقاسم الأعباء وتوفير بيئة آمنة تتيح للأم أخذ قسط كافٍ من الراحة والنوم المتصل.
وحين تستمر المشاعر السوداوية لأكثر من أسبوعين، يصبح التدخل الطبي المتخصص أمراً حتمياً، سواء عبر جلسات العلاج النفسي أو من خلال مضادات الاكتئاب الآمنة لفترة الرضاعة.
و أمام هذا الواقع، تتجاوز الصحة النفسية للأم كونها شأناً فردياً أو رفاهية ثانوية، بل هي صمام الأمان الفعلّي للأسرة بأكملها. و حماية الأمهات ورعايتهن نفسياً وجسدياً ليست مجرد مسؤولية طبية، بل هي واجب إنساني واجتماعي مشترك يقع على عاتق الزوج والعائلة والمجتمع بأسره، لكي لا تنطفئ شمعة الأمومة في عتمة الإهمال.
بقلم : سعاد بلكوش












































تعليقات الزوار ( 0 )