الرئيسية أعمدة الرأي خريف العمر بلا سند.. بين قسوة الأبناء والوجع الصامت للآباء

خريف العمر بلا سند.. بين قسوة الأبناء والوجع الصامت للآباء

كتبه كتب في 5 شتنبر 2026 - 4:00 م

أين ذهب الوفاء؟ وأين اختفت وصية السماء؟
 كيف لليد التي حملتنا صغاراً أن ترتجف اليوم وحيدة بلا من يسندها؟ 
وكيف للقلب الذي سهر علينا أن ينام دامعاً في زاوية البيت ينتظر مكالمة لن تأتي؟ 

في الوقت الذي تشهد فيه المجتمعات المعاصرة طفرة في وسائل التواصل والرفاهية، تعيش أسر كثيرة في عالمنا الإسلامي مفارقة مؤلمة ومخيفة. 

مفارقة تتمثل في تفشي ظاهرة التخلي عن الوالدين في كبرهما. هذه الظاهرة الغريبة عن قيمنا وديننا لم تعد مجرد حالات معزولة، بل تحولت إلى أزمة قيمية واجتماعية حادة تدمي القلوب وتهدد تماسك الاستقرار الأسري، حيث يتحول الأبناء من سند لآبائهم في مرحلة الشيخوخة إلى مصدر للأذى أو الإهمال.

فماهي أسباب تنكر الأبناء لآبائهم بعد أن أفنوا حياتهم من أجلهم؟

هناك عدة عوامل تتداخل لتشكل هذه السلوكيات الجاحدة منها النفسية، الاقتصادية، والاجتماعية، ومن أبرزها:

1.  سيطرة النزعة المادية والفردية: فغياب التربية الإيمانية العميقة جعل من بر الوالدين مجرد شعارات شفهية لدى البعض ،ومع تصاعد وتيرة الحياة والغلاء، أصبح بعض الأبناء يرى في الآباء المسنين “عبئاً مالياً وجسدياً” يتطلب تكاليف علاج ورعاية يتهربون من تحملها،ويتركونهم يتنقلون بين الأقارب كعبء يتنازعون عليه. وهذا من أصعب المظاهر الاجتماعية التي تهدم الروابط الأسرية وتنزع البركة من البيوت. هذه التصرفات تحول الرعاية إلى “صراع مادي” حول المأكل والملبس، مما يجرح كرامة الوالدين في مرحلة هم أحوج ما يكونون فيها إلى السكينة والاحترام.

2. العقوق المقنع والهروب من المسؤولية: يظن بعض الأبناء المقتدرين أن بر الوالدين يقتصر على الإنفاق المادي فقط، فيكتفون بإرسال الأموال أو إيداعهم دور الرعاية رغم قدرتهم على إسكانهما معهم. هذا الترك والعزلة يولد لدى المسن شعوراً قاتلاً بالنبذ، فالبر الحقيقي يتطلب القرب والرحمة والخدمة المباشرة لا النفقة الفوقية.كما يتعامل البعض مع الوالدين كـ “عبء” يُراد توزيعه بالتساوي بحجة “العدالة”، مما يفرغ الرعاية من قيمتها العاطفية ويشعر الوالدين بأنهما ثقل على الأبناء.

3.  التهرب بأعذار واهية: يتحجج بعض الأبناء بالظروف المادية أو الضغوط العملية أو الانشغال بالأسرة والأولاد. ويلقون اللوم على بقية الإخوة بحجة أنهم الأقرب أو الأكثر قدرة مادياً. هذا التهرب يترك العبء الأكبر على عاتق طرف واحد، مما يؤدي إلى خلافات أسرية حادة وضغوط نفسية وجسدية على الطرف المتحمل للمسؤولية.

فلا ينبغي أن تُقاس رعاية الوالدين بالمسطرة والتقسيم الجاف، بل بالحب والامتنان لما قدماه طوال حياتهما. لأن كبار السن يشعرون بحساسية مفرطة، ومجرد شعورهم بأن أبناءهم يتنازعون أو يتهربون من ضيافتهم يكسر خاطرهم ويفاقم حالتهم الصحية والنفسية.

أرقام واحصائيات تدمي القلوب

وتشير التقارير الاجتماعية المنجزة في عدة دول عربية وإسلامية إلى ارتفاع نسب الإقبال على دور رعاية المسنين بنسب تتراوح بين 20% إلى 35% خلال العقد الأخير. والصادم أن أكثر من 60% من هؤلاء النزلاء لديهم أبناء قادرون مادياً على إعالتهم وإسكانهم، لكنهم اختاروا التخلي عنهم.

هذه الأسباب تلخص كيف تحولت الفطرة الإنسانية السوية إلى عملية حسابية مادية جافة، ينتج عنها عواقب وخيمة حيث إن التخلي عن الوالدين لا ينحصر أثره في غرف المستشفيات المهجورة، بل يمتد ليزلزل أركان المجتمع بأكمله فيفكك النسيج الأسري ويضيع القدوة الحسنة، فالأبناء الذين يشاهدون تفريط آبائهم في أجدادهم سينشؤون غالباً على نفس الجحود، مما يؤسس لـ “دورة عقوق مستمرة” تدمر الأجيال القادمة، ويؤدي ذلك إلى تآكل قيم التكافل الاجتماعي ويفقد المجتمع هويته الإسلامية المبنية على توقير الكبير ورحمة الصغير.

و لمواجهة هذا الوجع الصامت يجب دق ناقوس الخطر لأن الأمر يتطلب تظافر جهود حقيقية:

1. دور المؤسسات الدينية والتعليمية: لإعادة إحياء قيم البر في المناهج والمنابر.

2. دور الإعلام والأسرة: لإحياء نموذج بيت العائلة الكبيرة وتقديم القدوة الحسنة.

3. التشريعات القانونية: بتشديد العقوبات وتجريم إهمال الوالدين القادرين، حمايةً لهذه الفئة الهشة.

فمن يسمع أنين الزاوية؟ 

و من يرى دمعة أب يجلس وحيداً على كرسي قديم، يمسك هاتفه وينتظر رنة باسم أحد أبنائه؟ 

من يشعر بقلب أم طوت مائدة كانت لأربعة فصارت تكفيها وحدها، وهي تهمس: “الله يرضي عليهم راهم لاباس”؟

إن الوجع الصامت للآباء لا يُقاس بالمال ولا بالدواء. هو وجع الانتظار، وجع الإحساس بأنك أصبحت “عبئاً” على من أفنيت عمرك من أجله.

لقد قرن الله سبحانه وتعالى عبادته بالإحسان للوالدين، ولن يستقيم حال أمتنا إلا إذا استعدنا قيمنا الفطرية. فرعاية الآباء في كبرهم ليست تفضلاً، بل هي فرض دين، ودَينٌ واجب السداد.

و قبل أن تبحث عن البركة في رزقك، ابحث عنها في رضا والديك. وقبل أن تشتكي من قسوة الزمن، اسأل نفسك: هل كنت سنداً لمن كان لك كل السند؟

بسم الله الرحمان الرحيم و َقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبَـالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)` سورة الإسراء

فاللهم ارزقنا برهم في حياتهم وبعد مماتهم ، وارزقنا بر أولادنا واجعلهم لنا سندا في الدنيا والآخرة.

بقلم : سعاد بلكوش

مشاركة
تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .