الرئيسية سياسة أسامة باريك: من فيسبوكر إلى قبة البرلمان

أسامة باريك: من فيسبوكر إلى قبة البرلمان

كتبه كتب في 28 شتنبر 2026 - 8:51 ص

1) قصة تحتاج إلى وقفة تأمل

في عالم تتسارع فيه التحولات الرقمية، وتنهار فيه الحواجز بين الواقعي والافتراضي، تبرز أحيانا قصص استثنائية تجبرنا على التوقف والتأمل. قصة أسامة باريك، الفيسبوكر القادم من أعماق جبال إملشيل، الذي تمكن من قلب موازين الانتخابات التشريعية بإقليم ميدلت ليصبح برلمانيا، هي واحدة من هذه القصص التي تستحق تحليلا عميقا.

هذه ليست مجرد قصة نجاح انتخابي عابر، بل هي ظاهرة اجتماعية وسياسية تعكس تحولا عميقا في السلوك الانتخابي المغربي، وفي طبيعة العلاقة بين المواطن والسلطة، وفي دور المنصات الرقمية كأداة للتغيير.

إنها قصة صوت الهامش الذي وصل إلى المركز، وقصة شرعية الميدان التي تحدت شرعية الماكينات التقليدية.

2) من هو أسامة باريك؟

أسامة باريك هو الاسم الرقمي الذي اشتهر به عبد العزيز باريك، الشاب المزداد في 15 ماي 1998 بمنطقة إملشيل بإقليم ميدلت . ينحدر من قرية أسنتاث التابعة لجماعة بوزمو، وهو حاصل على الإجازة في شعبة الجغرافيا، وهو تكوين أكاديمي انعكس بوضوح على طبيعة القضايا التي تبناها في مساره الرقمي، حيث ظلت قضايا التنمية الترابية والفوارق المجالية في صلب اهتماماته.

يكفي أن نعلم أن باريك، في طفولته، كان يقطع حوالي 15 إلى 30 كيلومتراً سيراً على الأقدام للوصول إلى مدرسته ، لنفهم أن هذا الرجل لم يتحدث عن معاناة سكان الجبال من موقع المتفرج، بل من موقع من عاشها في جسده وذاكرته.

هذه التجربة الشخصية القاسية هي التي شكلت وعيه المجتمعي، وهي التي منحته مصداقية نادرة عندما كان يتحدث عن فك العزلة، وتدهور المسالك، ونقص الخدمات الأساسية.

3) وضعيته الاجتماعية

ينتمي أسامة باريك إلى فئة الشباب القروي الجبلي، وهي الفئة التي طالما عانت من التهميش وقساوة الطبيعة.

نشأ في بيئة جبلية وعرة، حيث تتحول الثلوج في فصل الشتاء إلى عائق حقيقي أمام التعليم والعلاج والتنقل .

هذه الوضعية الاجتماعية لم تمنعه من متابعة تعليمه الجامعي، لكنها ظلت حاضرة في وجدانه، وهو ما يفسر تركيزه اللاحق على قضايا الفوارق المجالية والعدالة الترابية.

4) مساره الفيسبوكي : من هاتف إلى منصة

بدأت القصة الحقيقية لأسامة باريك من هاتف ذكي. على فيسبوك ويوتيوب، بدأ ينشر مقاطع فيديو ومنشورات تتناول بالتفصيل اليومي معاناة سكان المناطق الجبلية: الطرق المهترئة، انقطاع الكهرباء، ضعف شبكة الإنترنت، غياب الأطر الطبية، ونقص الأدوية، وظروف التلاميذ في الداخليات، وصعوبة التنقل في الثلوج .

ما ميز محتوى باريك هو الصدق والواقعية.

لم يكن يتحدث بلغة سياسية خشبية، بل بلغة ابن الجبل الذي يخاطب أبناء منطقته.

كان يظهر في فيديوهاته معاناة حقيقية، ويوثق قصصاً مؤثرة: تلاميذ يغمى عليهم أثناء التنقل، مرضى ينتظرون النجدة التي لا تأتي، سكان يستعينون بالبغال في غياب السيارات.

هذا المحتوى لاقى تجاوبا واسعا، حتى أن صفحته على فيسبوك أصبحت تضم مليون متابع ، وهو رقم ضخم في منطقة جبلية محدودة السكان.

تحول باريك بسرعة إلى مرجع رقمي لقضايا المنطقة، وبدأت وسائل الإعلام الوطنية تستضيفه، ومنها استضافته في برنامج “بدون لغة خشب” على إذاعة ميد راديو في يوليوز 2026 .

5) مراحل ومحطات من مساره الفكري والثقافي

يمكن رصد مسار أسامة باريك الفكري عبر عدة محطات مفصلية:

المحطة الأولى: التجربة المعيشية. سنوات الطفولة في قرى إملشيل، والمسافات الطويلة نحو المدرسة، والمعاناة اليومية مع قسوة الطبيعة، شكلت الأساس العاطفي والمعرفي لكل ما تلاه .

المحطة الثانية: التكوين الأكاديمي. دراسة الجغرافيا في الجامعة منحته أدوات تحليلية لفهم العلاقة بين المجال والتنمية، وجعلته يقرأ معاناة منطقته ليس كقدر محتوم، بل كنتيجة لسياسات عمومية غير عادلة .

المحطة الثالثة: النشاط الرقمي. انتقاله إلى فيسبوك ويوتيوب كمحلل وناقل لهموم السكان، وبناء جمهور واسع من المتابعين الذين وجدوا فيه صوتهم .

المحطة الرابعة: الانخراط في الحراك المدني. واكب باريك الاحتجاجات التي شهدتها منطقة إملشيل وعدد من الجماعات الجبلية في يونيو 2026، حيث خرج السكان في مسيرات للمطالبة بفك العزلة وتحسين الخدمات .

المحطة الخامسة: الانتقال إلى السياسة. في استحقاق 23 شتنبر 2026، قرر خوض غمار الانتخابات التشريعية باسم حزب الوحدة والديمقراطية (PUD)، حاملًا رمز “الصنبور” .

6) كيف استطاع أن يصل إلى قبة البرلمان؟

الوصول إلى البرلمان لم يكن حدثا عابرا، بل كان نتيجة تراكم طويل.

النتائج الرسمية أظهرت فوز باريك بـ 21.19% من الأصوات بعد فرز 80% من الأصوات، متقدماً بفارق كبير على منافسيه: رشيد علوي طيبي عن الحركة الشعبية (11.93%)، ومروان اشباعتو عن الأصالة والمعاصرة (8.94%) .

بلغ عدد الأصوات التي حصل عليها حوالي 32,684 صوتاً .

أسباب هذا الفوز يمكن تلخيصها في:

أولاً: شرعية الميدان. باريك لم يكن سياسيا محترفا، بل كان ابن المنطقة الذي عاش معاناتها.

هذه الشرعية اكتسبها من خلال سنوات من التوثيق الميداني، وليس من خلال الوعود الانتخابية .

ثانياً: تحويل الرأسمال الرقمي إلى رأسمال انتخابي. استطاع باريك تحويل متابعيه على فيسبوك إلى ناخبين حقيقيين.

وهذا التحول لم يكن مضمونا، لكنه نجح فيه بفضل الثقة المتراكمة.

ثالثاً: الحملة الميدانية البسيطة. جاب باريك المسالك الجبلية بسيارة واحدة، ووزع منشورات ورقية بيده، والتقى السكان في الأسواق الأسبوعية.

هذه الحملة الذاتية، التي اعتمدت على الإمكانيات الذاتية والاقتراض، خلقت موجة تعاطف جارفة.

رابعاً: تراجع الثقة في الأحزاب التقليدية. الناخب الميدلتي أراد تغييراً.

العائلات السياسية التي سيطرت على المقعد لعقود، مثل عائلة اشباعتو التي تنقلت بين الأحزاب، أصبحت رمزا للجمود. باريك جاء كبديل .

7) ماذا ينتظره في البرلمان؟

المهمة البرلمانية لأسامة باريك لن تكون سهلة. هو يدخل قبة البرلمان ممثلا لحزب صغير، وهو المقعد الوحيد لحزب الوحدة والديمقراطية في البرلمان.

هذا يعني أنه سيواجه تحديات كبيرة:

تحدي العزلة السياسية. حزب صغير بمقعد واحد لا يملك نفوذا في اللجان أو في التصويت، مما يعني أن باريك سيكون مضطرا للتحالف مع فرق أخرى لتمرير أي مقترحات.

تحدي الخبرة البرلمانية. الانتقال من الفيسبوك إلى قبة البرلمان يتطلب أدوات جديدة: فهم المساطر، صياغة الأسئلة الكتابية والشفوية، الدفاع عن التعديلات. هذا يحتاج إلى وقت وتكوين.

تحدي الوعود. باريك حصل على أصوات سكان الجبال بناءا على وعود محددة: فك العزلة، تحسين الصحة والتعليم، إيصال الماء والكهرباء والإنترنت. التراجع عن هذه الوعود سيكون مكلفا سياسيا .

8) هل سيستمر في مزاولة الفيسبوك أم سيتفرغ لقضايا المواطن الميدلتي؟

هذا سؤال جوهري. هناك احتمالان:

الاحتمال الأول: الاستمرار في الفيسبوك. باريك قد يختار الاحتفاظ بقناته الرقمية كأداة ضغط ومساءلة. البرلماني الذي يحتفظ بقاعدة جماهيرية رقمية يستطيع ممارسة ضغط شعبي على الحكومة، وإحراج المسؤولين الذين لا يستجيبون. هذا النموذج موجود في تجارب برلمانية أخرى.

الاحتمال الثاني: التفرغ للعمل البرلماني. قد يدرك باريك أن الفيسبوك وحده لا يصنع تشريعات. سيحتاج إلى التركيز على العمل المؤسساتي: الأسئلة الكتابية، مقترحات القوانين، العمل في اللجان.

المرجح أن يمزج بين الاثنين: يستخدم الفيسبوك كأداة تواصل مع القاعدة، بينما يعمل داخل البرلمان على الملفات التقنية. لكن المخاطرة تكمن في أن يتحول إلى “فيسبوكر داخل البرلمان”، أي يكتفي بالخطاب الرقمي دون إنجاز تشريعي حقيقي.

9) انتظارات ساكنة ميدلت من أسامة باريك

ساكنة ميدلت، خاصة في المناطق الجبلية، تنتظر من باريك الكثير. هذه الانتظارات يمكن إجمالها في:

فك العزلة المادية. إعادة تأهيل الطرق والمسالك، ضمان فتحها في فصل الشتاء، توفير آليات إزالة الثلوج .

الخدمات الصحية. توفير الأطر الطبية في المراكز الصحية، ضمان الأدوية الأساسية، تسهيل النقل الطبي للحالات المستعجلة.

التعليم. تحسين ظروف التلاميذ في الداخليات، تقريب المؤسسات التعليمية، توفير النقل المدرسي .

البنية التحتية الرقمية. تعميم شبكة الإنترنت والهاتف في المناطق الجبلية، خاصة في جماعات مثل أمرصيد، آيت عياش، تونفيت، وكرامة.

الماء الصالح للشرب. تسريع إنجاز المشاريع المائية، ومنها سد تلي بمركز تيقاجوين الذي لم ينطلق بعد رغم أهميته.

تبسيط مساطر البناء. رفع القيود غير المبررة التي تعيق البناء في العالم القروي .

10) ما هي الطرق والمناهج التي يمكن اتباعها لإبراز صوته؟

لكي يبرز باريك صوته في البرلمان، يحتاج إلى استراتيجية واضحة:

أولاً: التخصص في ملف الجبل. بدلا من تشتيت جهوده، عليه أن يصبح “برلماني الجبل” بامتياز.

يترافع من أجل قانون إطار خاص بالمناطق الجبلية، وهو مطلب ترفعه “الائتلاف المدني من أجل الجبل” منذ سنوات .

ثانياً: استثمار الأسئلة الكتابية. البرلمان يمنح النواب أدوات دستورية للمساءلة: الأسئلة الكتابية، الأسئلة الشفوية، لجان تقصي الحقائق.

باريك يمكنه تقديم أسئلة دورية عن كل ملف من ملفات ميدلت، مما يبقي القضايا حية في أجندة الحكومة.

ثالثاً: بناء تحالفات. مع مقعد واحد، لا يمكنه فعل شيء بمفرده.

يحتاج إلى التحالف مع نواب من مناطق جبلية أخرى، ومع فرق برلمانية تتبنى قضايا التنمية الترابية.

رابعاً: الحضور الإعلامي. باريك يملك رصيدا إعلاميا ورقميا.

يمكنه استخدامه لطرح قضايا ميدلت على المستوى الوطني، وخلق رأي عام ضاغط.

خامساً: التوثيق الميداني. يستطيع مواصلة توثيق معاناة السكان بالفيديو، وعرض هذه التوثيقات داخل البرلمان كأدلة على حجم المشاكل.

هذا الأسلوب غير التقليدي قد يمنح مداخلاته قوة إضافية.

11) كيف سيعالج القضايا المطروحة بمنطقة ميدلت؟

معالجة قضايا ميدلت تتطلب مقاربة متعددة المستويات:

المستوى التشريعي. باريك يستطيع تقديم مقترحات قوانين تتعلق بالمناطق الجبلية، أو تعديلات على قوانين المالية لضمان تمويل مشاريع فك العزلة.

المستوى الرقابي. عبر الأسئلة الكتابية والشفوية، يمكنه مساءلة وزارات الداخلية والتجهيز والماء والصحة والتعليم والفلاحة عن مشاريع ميدلت المتعثرة.

المستوى الترافعي. يمكنه الترافع داخل البرلمان وخارجه من أجل سياسة وطنية مندمجة لتنمية الجبال، وهو مطلب ملح أكده الائتلاف المدني من أجل الجبل في بلاغاته .

المستوى المحلي. يمكنه العمل بالتنسيق مع الجماعات الترابية والمجالس الإقليمية والجهوية لضمان تناسق المشاريع.

12) الآفاق المستقبلية لأسامة باريك

مستقبل باريك يعتمد على قدرته على الانتقال من شرعية الشعبية الرقمية إلى شرعية الإنجاز المؤسساتي.

هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول: النجاح والتطور. إذا تمكن من تحقيق إنجازات ملموسة، ولو جزئية، في ملفات ميدلت، فقد يتحول إلى نموذج جديد للسياسة المغربية: “سياسي رقمي بمصداقية ميدانية”. هذا قد يفتح له آفاقاً أوسع.

السيناريو الثاني: الفشل والتراجع. إذا غرق في الإجراءات البرلمانية دون تحقيق شيء ملموس، أو إذا تخلى عن خطابه النقدي واندمج في المنظومة، فقد يفقد مصداقيته أمام ناخبيه.

السيناريو الثالث: الصمود والمساءلة. قد يحافظ على شعبيته بفضل استمراره في التواصل الرقمي، لكنه سيواجه ضغطا متزايدا من الناخبين الذين يريدون نتائج، وليس خطابا.

                   

قصة أسامة باريك من فيسبوك إلى قبة البرلمان هي أكثر من مجرد خبر انتخابي.

إنها إشارة إلى تحول عميق في المجتمع المغربي: الناخب لم يعد يثق في الماكينات الحزبية التقليدية، والمنصات الرقمية أصبحت فضاء للتمثيل السياسي، والشباب القروي أصبح قادرا على الوصول إلى مراكز القرار.

لكن الوصول إلى البرلمان ليس نهاية القصة، بل بدايتها.

السؤال الحقيقي ليس كيف وصل باريك، بل ماذا سيفعل بعد أن وصل؟.

ساكنة ميدلت، التي منحته ثقتها، لن تكتفي بالخطب.

تريد طرقا معبدة، ومستشفيات مجهزة، ومدارس دافئة، وإنترنت يربط قرى الجبل بالعالم.

إذا نجح باريك في تحويل هذه المطالب إلى إنجازات، فسيصبح نموذجا يحتذى به.

وإذا فشل، فسيصبح مجرد ذكرى عابرة في تاريخ السياسة المغربية.

إعداد وتقديم
المدرب الدولي
المهندس الحسن مرزوق

مشاركة
تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .