الرئيسية أخبار دولية خريف الغضب الأوروبي: التضخم وأزمات السكن يشعلان الشوارع من باريس إلى لشبونة

خريف الغضب الأوروبي: التضخم وأزمات السكن يشعلان الشوارع من باريس إلى لشبونة

كتبه كتب في 19 أكتوبر 2026 - 4:03 م

تجتاح أوروبا الجنوبية والغربية موجة عارمة من الاحتجاجات الشعبية والاضطرابات العمالية والطلابية، مدفوعة بملفات اقتصادية وسياسية واجتماعية محلية معقدة.

وشملت هذه الموجة فرنسا، وبلجيكا، وألبانيا، وإيطاليا، والبرتغال، وإسبانيا، واليونان، وسط مواجهات عنيفة مع قوات الأمن تحبس لها الأنفاس في العواصم الأوروبية، مما دفع السفارات الأمريكية لإصدار تحذيرات لمواطنيها في عدة دول، وسط تفاعل سياسي أمريكي تمثل في هجوم الرئيس دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس على السياسات الأوروبية الحالية ومسألة الهجرة.

  • وانطلقت الشرارة الأولى لهذه الاضطرابات من قطاع التعليم في فرنسا منذ منتصف سبتمبر، وتحديداً عقب إضراب معلمي مدرسة “سانت إكزوبيري” في ضاحية “كريتاي” جنوب شرق باريس احتجاجاً على نقص الكوادر، وسرعان ما انضم الطلاب إليهم بتسيير اعتصامات تضامنية تحولت لاحقاً إلى انتفاضة شعبية عارمة ضد الغلاء وتردي الأوضاع المعيشية، ليعيد المشهد إحياء حركة “السترات الصفراء” الرمزية التي انطلقت عام 2018 احتجاجاً على الظلم الاجتماعي، مدفوعة بأرقام تضخم مقلقة سجلتها وكالة الإحصاء الوطنية (INSEE) بارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 21.3٪ والبنزين بنسبة 25.7٪، مع صعود معدل البطالة إلى 8.3٪. وتصاعدت حدة المواجهات في فرنسا بشكل غير مسبوق، حيث نزلت حشود ضخمة قُدرت بنحو 550 ألف شخص إلى الشوارع، أسفرت عن مواجهات دامية أدت إلى اعتقال 1800 شخص وإصابة أكثر من 500 من رجال الشرطة والإطفاء، وتخللتها أعمال نهب وإضرام نيران طالت مبنى بلدية “ليموج” الأثري المشيد عام 1883، مما دفع رئيس الوزراء الفرنسي للإعلان عن فرض حظر تجول جزئي في مراكز المدن الكبرى خلال ساعات المساء لاستعادة النظام والسيطرة على العنف الذي حمّل وزير الداخلية لوران نونيز مسؤوليته لجماعات يسارية متطرفة.
  • ولم تكن بلجيكا المجاورة بمعزل عن هذا الغليان، حيث شهدت العاصمة بروكسل اشتباكات عنيفة بين مئات المتظاهرين المقنعين وقوات الشرطة المسلحة 17 أكتوبر 2026.

وهتف المحتجون بشعارات مناهضة للفاشية وقاموا بتخريب معدات البناء، وإضرام النيران في السيارات والدراجات الهوائية والكهربائية لاستخدامها كمتاريس وحواجز في الشوارع، مما دفع شرطة مكافحة الشغب لاستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريقهم.

وحذر وزير الداخلية البلجيكي، برنارد كينتيني، من أن هذه الأحداث تحولت إلى “عنف محض ومنظم لزعزعة استقرار المجتمع”، متوعداً باستخدام كافة الوسائل لاستعادة النظام.

وتأتي هذه المواجهات امتداداً لاحتجاجات سبقتها بأسابيع ضد تكاليف التعليم وارتفاع المعيشة، حيث شهدت بروكسل مسيرة حاشدة شارك فيها ما بين 30 و50 ألف شخص في مطلع أكتوبر، بالتزامن مع اضطرابات في مدينة لييج الشرقية أسفرت عن اعتقال مئات الطلاب وإصابة عشرات الشرطيين، في وقت تواجه فيه الحكومة البلجيكية المثقلة بالديون مصاعب جمة لإقرار ميزانية العام المقبل.

  • وفي ألبانيا، دخلت البلاد يومها الخامس من أعمال الشغب المناهضة للحكومة عقب انضمام طلاب المدارس الثانوية والجامعات إلى حركة “فلامينغو” المطالبة باستقالة رئيس الوزراء الاشتراكي إيدي راما، وهي حركة بدأت اعتراضاً على مشروع تطوير سياحي فاخر على الساحل الجنوبي مرتبط بشركة استثمارية أسسها جاريد كوشنر، صهر ترامب، وقد تحولت التظاهرات إلى مواجهات عنيفة رشق فيها المحتجون الأمن بالقنابل الحارقة والألعاب النارية، وردت الشرطة بالغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه مما أسفر عن اعتقال 167 شخصاً وإصابة 132 شرطياً، في حين استبعد رئيس الوزراء الاستقالة متواصلاً في السلطة التي يمسك بزمامها منذ 2013 ومتهماً خصومه المحافظين بالتحريض.

وامتدت شرارة الغضب إلى إيطاليا، حيث شهدت مدينة ميلانو ومدن أخرى أعمال شغب ونهب واسعة خلال مسيرات رفعت شعارات مناهضة للحروب ولتمويل أوكرانيا، واحتجاجاً على التضخم، حيث تحول الاحتجاج السلمي سريعاً إلى اشتباكات عنيفة قام فيها ملثمون برشق شرطة مكافحة الشغب بمكعبات الرصف وإشعال النيران في الحواجز، مما أدى لاحتجاز 50 متظاهراً بينهم قاصرون وإصابة ضابطين، وسط تنديد من عمدة المدينة جوزيبي سالا الذي أكد تفهمه للأسباب الاقتصادية مع رفضه القاطع للعنف والتخريب.

  • أما في شبه الجزيرة الإيبيرية، فقد تصدرت أزمة السكن الواجهة، ففي البرتغال، خرج عشرات الآلاف في شوارع العاصمة لشبونة بدعوة من نقابة (CGTP) احتجاجاً على الغلاء الفاحش وأزمة الإسكان المستعصية، التي تفاقمت بفعل التضخم العالمي والتوترات في الشرق الأوسط وأوكرانيا.

وتصنف المفوضية الأوروبية البرتغال كواحدة من أقل الدول قدرة على تحمل تكاليف السكن بعد قفز أسعار المنازل بنسبة 130٪ منذ عام 2013، وارتفاع عقود الإيجار الجديدة بنسبة 10.2٪، مما دفع الناشطين في مدينة بورتو الشمالية لإقامة مخيمات احتجاجية أخلتها الشرطة.

ورغم اعتراف الحكومة بالمرارة الاقتصادية، فقد حذر رئيس الوزراء لويس مونتينيرو من “استيراد أجواء الفوضى وعدم الاستقرار” من الدول المجاورة.

  • وبالمثل في إسبانيا، دخل اعتصام ساحة “بويرتا ديل سول” في وسط مدريد أسبوعه الثالث، حيث عسكر مئات الاحتجاجيين تنديداً بتكاليف السكن، وهو الحراك الذي أشعلته وفاة المسنة المقعدة ماريا ديل كارمن أباسكال (87 عاماً) بعد إجلائها قسراً من منزلها الذي عاشت فيه لسبعة عقود، وتحركت السلطات الإقليمية قانونياً لإزالة المخيم، فيما أُغلقت محطة مترو “سول” مؤقتاً لتنظيف الموقع جراء المخلفات الصحية للاعتصام.
  • وفي اليونان، اتخذ الحراك طابعاً عمالياً صرفاً، حيث تظاهر عمال المصافي خارج منشآت شركة “موتور أويل” لتكرير الطاقة إثر مقتل موظفين اثنين في انفجار وقع أثناء عمليات الصيانة بالمصفاة.

وطالب المحتجون بإجراء تحقيق فوري وصارم في الحادث وفرض رقابة حقيقية على لوائح السلامة المهنية، في حين أعربت إدارة الشركة عن حزنها العميق وتعهدها بالوقوف إلى جانب عائلات الضحايا والتعاون الكامل مع التحقيقات الرسمية، لتلتقي هذه المسارات المعيشية والسياسية كلها في رسم لوحة معقدة من الاضطرابات التي تختبر متانة الاستقرار في القارة العجوز.

المصدر: وكالات

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .